أشغال حماية بستان النخيل في مراكش متواصلة

رغم أن لبستان النخيل بمراكش رمزيته، فقد تعرض للإهمال لمدة طويلة، لكنه الآن يتمتع بالحماية. وتشرف على هذه العملية حاليا مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة التي وضعت مخططا للإنقاذ معبئة كل الطاقات لتحقيق ذلك.

فبالنسبة لمراكش، فإن البستان يعتبر جزءا لا يتجزأ عن هويتها. فمنذ تأسيسه سنة 1064 يعتبر الأم المغذية للمدينة التي كانت تتزود منه بالغذاء والمواد الأولية لصناعتها التقليدية وكذلك الحطب لأفرانها، وكان يحيط بالمدينة مشكلا حزاما أخضرا يصل إلى حد أسوارها حيث يجد السكان متنفسا لهم ومكانا للاستراحة والمرح، واشتهر هذا البستان - البهجة بأنه كان ملاذا للشعراء والمنشدين.

وهناك مجموعة من الأسباب تفسر هذا الوضع. لقد فقد البستان الذي لعب في السابق دور الحديقة الفلاحية للمدينة، مزارعيه الذين تحولوا إلى مهن مربحة أكثر بينما حلت الاستغلاليات العصرية الكبيرة بهضبة الحوز محله في الإنتاج الغذائي.

وفي غياب الفلاحة، تم التخلي تدريجيا عن شبكات السقي بما في ذلك الخطارات المدفونة والسواقي السطحية تاركة أشجار النخيل تواجه مصيرها. وإذا كانت جذور أشجار النخيل بحوض تانسيفت تنزل ب15 متر تحت الأرض لتصل إلى الفرشاة المائية، فإن نضوب هذه الأخيرة وانخفاضها ب 40 متر بسبب تكثيف الضخ العصري حرمها من هذا المورد الجوفي.

وفي نفس الاتجاه، شكل التوسع الحضري عاملا أساسيا في تقليص مساحات البستان، فإذا كان هذا الأخير محميا نظريا بظهير 1929 فإنه تعرض لضغط التمدن من أجل إنشاء بنايات سياحية وسكنية وتجارية كاستثناءات للمخطط التوجيهي. وبهذا تغيرت وظيفة الدواوير من فلاحية بالأمس إلى حضرية اليوم. وقد توسعت منذ نصف قرن بفعل النمو الديمغرافي والهجرة القروية. وفي الأخير، وبما أن بستان النخيل هو عبارة عن فضاء مفتوح، فقد بدأ هذا المخطط بوضع إطار مؤسساتي للحماية، بواسطة تقوية الترسانة القانونية مع احترام القوانين المعمول بها خاصة في مجال التمدن. وقد حددت مساحة البستان في 12000 هكتار كحد أقصى وتضم 120000 نخلة.

فمنطقة الولجة، التي ما تزال محمية ضد التمدن بسبب المستنقعات، هي في طور تصنيفها كموقع ذو منفعة بيولوجية وبيئية، وهي التي ستشكل محمية طبيعية تمتد على مساحة 250 هكتار لحماية النباتات والحيوانات الغنية التي تعيش فيها: 15 نوع من الثدييات و 24 من الزواحف و 49 من الطيور من بينها أنواع نادرة مثل النمس والمالك الحزين الأرجواني وسرطان البحر وطائر أبو منجل. فتصنيفها كموقع ذو منفعة بيولوجية وبيئية يمكن من حماية موقع متميز لا مثيل له اليوم وطبيعي مائة في المائة.

ومما يؤكد ذلك انطلاق عملية إعادة غرس النخيل، ولهذا الغرض أنشئ مشتل من طرف بلدية مراكش بقدرة إنتاجية تقدر ب 80000 شجيرة نخيل موجهة لإعادة غرسها. وتم اختيار عدة أنواع قابلة للتأقلم مع مناخ المدينة. فنخيل التمر يحتاج إلى حرارة عدة أيام لكي يكون مثمرا، ولا يتمكن من ذلك إلا نخيل التمر المبكر بحيث أن الطقس في جهة الأطلس أكثر برودة من جهة الصحراء. ولذلك فقد تم العمل على مضاعفة زراعة شتائل بوفقوص المتميز الطعم في الأنابيب الزجاجية لتنشأ بعد ذلك في المشتل. فإلى غاية الآن، تم إنتاج 660000 شتلة فيما تم إعادة غرس 520000 شتلة في ظرف 5 سنوات وهو ما يفوق ما كان متوقعا في المخطط. ويتوفر المشتل على مخزون يتكون من 140000 شتلة بينما تم إزاحة 15000 نخلة ميتة. وأزيلت من البستان 38000 ألف طن من الأنقاض الملقاة فيه بطريقة غير قانونية كما تمت إزالة 50000 طن من النفايات البلاستيكية. ومن أجل سقي شجيرات النخيل تم في البداية استعمال الشاحنات الصهريجية وبعد ذلك تم إحداث آبار بعين المكان تسحب منها مياه السقي بمضخاة تعمل بالطاقة الشمسية.

وفي الوقت الراهن بدأ العمل ببرنامج سقي طموح. وبالإضافة إلى ذلك أحدث صنبوران واحد في الشرق وواحد في الغرب لجلب المياه بواسطة قنوات الضخ التي تسحبها من محطات المعالجة نحو ملاعب الكولف. فبالنسبة للصنبور الغربي فإنه يمكن من تعويض توقف الانتشار المباشر لمياه الصرف الصحي الذي كان يشكل بطريقة غير معقولة المورد الوحيد من الماء للمستنقع. هذان الصنبوران يمكنان من سقي 1000 هكتار إما عن طريق التنقيط أو عن طريق السواقي.

إن هذا البرنامج يحتاج إلى 100 مليون درهم مما يطرح إشكال تمويله، ومن ضمنها 40 مليون درهم كمساهمة للوكالة المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء بمراكش في الوقت الذي سعت مؤسسة محمد السادس إلى تعبئة شركائها من أجل تنفيذ البرنامج المتبقي. فقد وضعت مثلا آلية ائتمان الكربون التي مكنت من غرس 30000 نخلة من طرف كبريات المقاولات المغربية وصندوق الإيداع والتدبير والمكتب الوطني للمطارات والمكتب الشريف للفوسفاط ولافارج إلخ...

لقد تم تقليص حجم السكن غير اللائق بالإضافة إلى تحسيس سكان الدواوير ببستان النخيل بحجم التحديات من أجل التحالف لحمايته. وحصل الأطفال على دراجات هوائية وتم تأطير الأقسام في إطار أنشطة برنامج المدارس البيئية ودعوا إلى غرس أشجار النخيل. كما تم القيام بأعمال اجتماعية تمثلت في خلق بعض الأنشطة المذرة للدخل لفائدة نساء دوار البستان.

ومن أجل تأمين كل هذه الأشغال ومنع أي تلوث جديد تم إحداث فريق فرسان القوات المساعدة يقيم داخل البستان ويتكون من 12 حارس يقومون بدوريات سبعة أيام في الأسبوع 24 ساعة على 24 ساعة لحماية البستان.

وفي 2006، تم إنشاء مرصد لبستان النخيل بمراكش من أجل إدماج المجتمع المدني في جميع مراحل الحماية. ومن أجل استعادة تمتيع سكان المدينة بالبستان تم إحداث طواف للمشي يمتد على مسافة 5.2 كلم.

وبعد سبع سنوات لانطلاق البرنامج كانت النتائج مشجعة. فقد حددت المساحة وتم جرد المحتويات وتوقف مسلسل التدهور كما أحدثت وسائل المراقبة والحماية.

إلا أن الجانب السلبي الوحيد يتمثل في عدم القدرة على حصر توسع التمدن. فقد تم الترخيص لإنشاء المباني بهذه المنطقة على مساحة 500 هكتار في ظرف 20 سنة. وفي غياب تصميم حضري للمدينة، الذي يتطلب إشهاره، فإن كل شيء تقريبا مسموح به ولهذا فإن التوصيات للحد من توسيع التمدن بالبستان تبقى بدون فعالية.